محمود محمود الغراب

71

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الشهية ، إلى المعدة الغيبية ، وامتزجت مع الرطوبات التي فيها القبلية « 1 » ودفعتها إلى بيت الكبد ، المودع في الجسد ، واختلطت رطوبة ريق المعشوق ، بأجزاء الدم ، وانتشرت بين الجلد واللحم في العروق ، فكانت منها حياة ذلك الجسد ، وعمارة ذلك البلد ، فإن روح الحياة في هذه الأشباح ، وهو المعبر عنه بالأرواح ، ومادته من الاستنشاق الهوائي بالقوة الشمية ، لترويح الحرارة التي في القلب الغريزية ، فلو لا هذا التبريد ، لوقع التبديد ، وكذلك إذا تنفس الحبيبان مكافحة ، وتنهدا مناوحة ، خرج من ذلك التنفس شيء من نسيم الروح ، فاختلط بأجزاء الهواء ، فدخل إلى خياشمهما على السواء ، فسرى في أجسامهما علوا وسفلا ، سريان النور في البلور ، على طريق الرئة والحلقوم إلى القلب ، والتحق بعالم الغيب ، فدب مع النبض والعروق الضوارب ، واختلط بالدم واللحم في جميع المضارب ، فانعقد في بدن هذا ، ما تحلل من بدن هذا ، فصار له روحا ، والجسم له ضريحا ، ولما كان الروح الذي هو الحياة أحب شيء للإنسان ، صار هذا المعشوق أحب شيء إليه في الأعيان ، لاتحاد أرواحهما في الجثمان ، وإلى هنا انتهى عقل العقلاء ، ونظر أهل المودة والصفاء ، وما قدر أحد أن يزيد عليه معنى يحقق به قوله ودعواه ، فإن الاعتراض منوط بفحواه ، فزدنا بحمد اللّه عليهم في المسألة إيضاحا ، وجعلنا له الإشارة عليه مفتاحا ، فاعلم أن النفس والريق إنما يجريان بحسب ما استقر في القلب استقرار الاستفراغ ، وانتهى فيه غاية البلاغ ، فحينئذ يكون ما قالوه ، ويظهر ما أخبروا به وسطروه ، كما حكي عن الحلاج أنه انكتب من دمه اسم المحبوب ، وكذلك زليخا حين فصدت وقع دمها في الطست فكتب يوسف بن يعقوب ، فالذي يكون في القلب يظهر بتزيد كائنا ما كان ، حتى يذهب من الأذهان ، وصح للمحب أن يقول : أنا من أهوى ومن أهوى أنا ؛ يقول المحب الإلهي : وجدي إنما هو عليّ ، وعشقي إنما هو فيّ ، وولهي إنما هو بي ، ففيّ أهلك ولي أملك ، فأنا المحب المحبوب ، وأنا العاشق المعشوق ، وأنا طالب الحق الذي توجهت عليّ الحقوق . ( ف ح 2 / 334 - تاج الرسائل ) المرتبة الثالثة : الحب الإلهي : الحب الإلهي هو حب اللّه العبد وحب العبد ربه ، كما قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ونهايته من الطرفين أن يشاهد العبد كونه مظهرا للحق ، وهو لذلك الحق الظاهر كالروح

--> ( 1 ) من القبلة والتقبيل وفي نسخة القلبية .